ابن العربي
838
أحكام القرآن
المسألة السابعة - قال علماؤنا : فسلّموا لرسول اللّه الأمر فيها ؛ فأنزل اللّه « 1 » : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ . . . الآية . ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : مالي مما أفاء اللّه عليكم إلا الخمس ، والخمس مردود فيكم . فلم يمكن بعد هذا أن يكون النفل من حقّ أحد ؛ وإنما يكون من حق رسول اللّه . وهو الخمس . والدليل عليه الحديث الصحيح عن ابن عمر : خرجنا في سريّة قبل نجد ، فأصبنا إبلا ، فقسمناها ، فبلغت سهماننا أحد عشر بعيرا ، ونفّلنا بعيرا بعيرا ، فأما : المسألة الثامنة - وهي سلب القتيل فإنه من الخمس عندنا ، وبه قال أبو حنيفة إذا رأى ذلك الإمام لغناء في المعطى ، أو منفعة تجلب ، أو ائتلاف يرغب . وقال الشافعي : هو من رأس المال ؛ وظاهر القرآن يمنع من ذلك ؛ لأنه حق المالكين . فأما الأخبار في ذلك فمتعارضة ، روى في الصحيح أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قضى بسلب أبى جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح . وقال يوم حنين « 2 » : من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ، فأعطى السلب لأبى قتادة بما أقام من الشهادة ، وقضى بالسلب أجمع لسلمة ابن الأكوع يوم ذي قرد « 3 » . قلنا : هذه الأخبار ليس فيها أكثر من إعطاء السلب للقاتل . وهل إعطاء ذلك له من رأس مال « 4 » الغنيمة أو من حق النبي - وهو الخمس ؟ ذلك إنما يؤخذ من دليل آخر . وقد قسّم اللّه الغنيمة قسمة حق على الأخماس ، فجعل خمسها لرسوله ، وأربعة أخماسها لسائر المسلمين ، وهم الذين قاتلوا وقتلوا ، فهم فيها شرع سواء ، لاشتراكهم في السبب الذي استحقّوها به ؛ والاشتراك في السبب يوجب الاشتراك في المسبب ، ويمنع من التفاضل في المسبب « 5 » مع الاستواء في السبب ؛ هذه حكمة الشرع وحكمه ، وقضاء اللّه في خلقه ، وعلمه الذي أنزله عليهم . والذي يدلّ على صحة ما ذهبنا إليه ما روى مسلم أن عوف بن مالك قال : قتل رحل من
--> ( 1 ) سورة الأنفال ، آية 41 . ( 2 ) في ل : خيبر . ( 3 ) ماء على ليلتين من المدينة . ( 4 ) في ل : قال علماؤنا : وهل أعطى ذلك له من رأس مال . ( 5 ) في ل : في السلب .